الشيخ محمد رشيد رضا
489
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) الآية وما بعدها . ووصف اللّه بتوفيهم دون غيره من صفاته وأفعاله لتذكير كل منهم بما لا يشك فيه من عاقبة أمره وانه سيكون كما وعده في الدنيا والآخرة وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين وعدهم اللّه بالنجاة من عذابه ، وينصرهم على أعدائهم وأعدائه ، واستخلافهم في أرضه ، وانه لا يجاز بليغ 105 - * * * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً أي أمرت بأن أكون من المؤمنين وبأن أقيم وجهي للدين القيم الذي لاعوج فيه حالة كوني حنيفا أي مائلا عن غيره من الشرك والباطل ، ولكن اختير هنا صيغة الطلب وفيما قبله الخبر ، ذلك بأن الخبر هو المناسب لعلاقة هذا الامر بالماضي وهو أن يكون من جماعة المؤمنين ، الموعودين بما تقدم من سنة اللّه في النبيين ، والطلب هو المناسب لعلاقته هو وما عطف عليه من النهي بالحال والاستقبال ، من دعوة هذا الدين الموجهة إلى أهل مكة وسائر الناس ( ولا فرق بينهما في الاعراب كما حققه سيبويه وغيره ) وإقامة الوجه للدين هنا وفي سورة الروم ( 30 : 43 ) عبارة عن التوجه فيه إلى اللّه تعالى وحده في الدعاء وغيره بدون التفات إلى غيره ، والمراد به توجه القلب ، وفي معناه ( 6 : 79 إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ) ومثله إسلام الوجه للّه في سور البقرة ( 2 : 112 ) وآل عمران ( 3 : 20 ) والنساء ( 4 : 124 ) وإسلامه إلى اللّه في سورة لقمان ( 31 ، 22 ) وكذا توجيه الوجه الحسي إلى القبلة في آياتها وهو الأصل في اللغة ، والمراد به وجهة الانسان ، فمن توجه قلبه في عبادة من العبادات ( ولا سيما مخ العبادة وروحها وهو الدعاء ) إلى غير اللّه فهو عابد له مشرك باللّه ، وأكده بالنهي عن ضده معطوفا عليه فقال وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أصحاب الديانات الوثنية الباطلة الذين يجعلون بينهم وبين اللّه تعالى حجابا من الوسطاء والأولياء والشفعاء يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم ، والحاجة التي تستعصي على كسبهم ، ووجوههم وجملتهم إلى صورهم وتماثيلهم في هياكلهم ، أو قبورهم في معابدهم ، ويدعونهم لقضاء حوائجهم إما بأنفسهم وإما بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم ، ثم بين هذا بالإشارة إلى سببه عند المشركين والنهي عن مثله معطوفا عليه فقال